الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

40

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمعنى : إذا جاءتهم آية من آيات القرآن ، أي تليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان . فعبّر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الدّاعي أو المرسل . والمراد أنّهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن ، وأنّهم يطلبون معجزات عينية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى ، وهذا في معنى قولهم : فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] لجهلهم بالحكمة الإلهيّة في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم ، كما حكى اللّه تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت : 50 ، 51 ] ؛ وقال النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من الأنبياء نبيء إلّا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الّذي أوتيت وحيا أوحى اللّه إليّ » الحديث . وأطلق على إظهار المعجزة لديهم بالإيتاء في حكاية كلامهم إذ قيل : حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ لأنّ المعجزة لمّا كانت لإقناعهم بصدق الرّسول عليه الصّلاة والسلام أشبهت الشّيء المعطى لهم . ومعنى : مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مثل ما أتى اللّه الرّسل من المعجزات الّتي أظهروها لأقوامهم . فمرادهم الرّسل الّذين بلغتهم أخبارهم . وقيل : قائل ذلك فريق من كبراء المشركين بمكّة ، قال اللّه تعالى : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [ المدثر : 52 ] . روي أنّ الوليد بن المغيرة ، قال للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم : لو كانت النّبوءة لكنت أولى بها منك لأنّي أكبر منك سنّا وأكثر مالا وولدا ؛ وأنّ أبا جهل قال : زاحمنا ( يعني بني مخزوم ) بنو عبد مناف في الشّرف ، حتّى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منّا نبيء يوحى إليه ، واللّه لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه . فكانت هذه الآية مشيرة إلى ما صدر من هذين ، وعلى هذا يكون المراد حتّى يأتينا وحي كما يأتي الرّسل . أو يكون المراد برسل اللّه جميع الرّسل ، فعدلوا عن أن يقولوا مثل ما أوتي محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، لأنّهم لا يؤمنون بأنّه يأتيه وحي . ومعنى نُؤْتى على هذا الوجه نعطى مثل ما أعطي الرّسل ، وهو الوحي . أو أرادوا برسل اللّه محمّدا صلى اللّه عليه وسلّم فعبّروا عنه بصيغة الجمع تعريضا ، كما يقال : إنّ ناسا يقولون كذا ، والمراد شخص معيّن ، ومنه قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 105 ] ونحوه ، ويكون إطلاقهم عليه : رُسُلُ اللَّهِ تهكّما به صلى اللّه عليه وسلّم كما حكاه اللّه عنهم في قوله : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] وقوله : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] .